القاضي النعمان المغربي
75
تأويل الدعائم
بما كسبت أيديهم عمهم ذلك أجمعين فهم اليوم حيث كانوا أذلة تحت أيدي الأمم في جميع الجزائر ، فالنقباء كما ذكرنا أرفع المؤمنين درجة فمن بلغ من المؤمنين إلى درجة النقباء لم يرق بعد ذلك إلا إلى الحجة ، وذلك مثل الدفن المحمود لأن المدفون قد صار إلى الأرض التي مثلها في الباطن مثل الحجة والميت المدفون في الظاهر قد صار إلى آخر أمره كذلك لا يتزيد في حسناته ولا يرتقى بعد ذلك إلى منزلة من منازل الدنيا كما ذلك كذلك في الباطن على ما ذكرناه ، والميت الّذي يلقى على وجه الأرض أو يصلب مثله في حال الموت المحمود مثل الداعي الّذي يرفع فوق الدعاة وهو دون النقيب لأن هذا إنما صار على وجه الأرض ولم يغب فيها ومنه قول اللّه جل ذكره حكاية عن يوسف عليه السلام : « وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ » « 1 » ، ومثل الطير مثل الدعاة ومثل أكلها من رأسه إفادتها عنه ما يفيده من الحكمة ومن مثل الطير أنهم في الباطن الدعاة قول اللّه عز وجل : « وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ » « 2 » يعنى في التأويل الباطن أتباعه من أهل الباطن وأهل الظاهر والدعاة ، وقوله لإبراهيم : « فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ » « 3 » وقد ذكرنا تأويل ذلك وبيانه وأنه عنى في الباطن أربعة من الدعاة ؛ فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل وعلم باطن الدين ، والتنزيل فهمكم اللّه وعلمكم وأوزعكم شكر ما أنعم به عليكم ، وصلى اللّه على محمد نبيه ، وعلى الأئمة الهداة من ذريته ، وسلم تسليما . وحسبنا اللّه ، ونعم الوكيل . المجلس العاشر من الجزء السابع : بسم اللّه الرحمن الرحيم ؛ الحمد للّه الظاهر بما أظهر لخلقه من عجائب قدرته الباطن بما أودع أولياءه وأهل المعرفة به من أسرار حكمته وصلى اللّه على محمد نبيه وعلى الصفوة من ذريته ؛ ثم إنّ الّذي يتلو ما تقدم القول به من تأويل الجنائز من كتاب الدعائم نسقا على ذكر تأويل الموت والدفن المحمودين اللذين ذكرنا أن لهما ضدين مذمومين إذ كان الموت في الظاهر كما ذكرنا نقلة من الدنيا إلى الآخرة يجمع نقلتين منهما نقلة محمودة لمن صار إلى رحمة اللّه ونقلة مذمومة لمن صار إلى عذابه
--> ( 1 ) سورة يوسف : 41 . ( 2 ) سورة النمل : 17 . ( 3 ) سورة البقرة : 260 .